شوقي ضيف

160

المدارس النحوية

مقدمتهم إمامهم الكسائي كانوا لا يكتفون بما يأخذون عن فصحاء الأعراب ، إذ كانوا يأخذون عمّن سكن من العرب في حواضر العراق ، وكثير منهم كان البصريون لا يأخذون عنهم ولا عن قبائلهم المقيمة في مواطنها الأصلية مثل تغلب وبكر لمخالطتهما الفرس ومثل عبد القيس النازلة في البحرين لمخالطتها الفرس والهند « 1 » . وقد حمل البصريون على الكوفيين حملات شعواء حين وجدوهم يتسعون في الرواية على هذه الشاكلة ، وخصّوا الكسائي بكثير من هذه الحملات ، قائلين « إنه كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز ، من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة والضرورات ، فيجعل ذلك أصلا ، ويقيس عليه حتى أفسد النحو » « 2 » . وقالوا إنه لقى عشيرة من بنى عبد القيس تسمى الحطمة كانت نازلة ببغداد ، فأخذ عنها كثيرا من الخطأ واللحن « 3 » ، مما اتضح أثره في مناظرته المشهورة لسيبويه ، فإن سيبويه تمسك فيها بما سمعه عن العرب الفصحاء في مثل : « قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزّنبور فإذا هو هي » حتى إذا قال الكسائي إنه يجوز « فإذا هو إياها » أنكر ذلك إنكارا شديدا . وسرعان ما استعان عليه الكسائي بأعراب عشيرة الحطمة ، فأيّدوه ، وتأييدهم لا قيمة له في رأى سيبويه ومدرسته ، لأنهم ليسوا من الفصحاء المتبدين في قيعان نجد وتهامة والحجاز ، ممن يؤخذ عن لسانهم النحو واللغة . وكان ذلك بدءا لخلاف واسع بين المدرستين ، فالبصرة تتشدد في فصاحة العربي الذي تأخذ عنه اللغة والشعر ، والكوفة تتساهل ، فتأخذ عن الأعراب الذين قطنوا حواضر العراق ، مما جعل بعض البصريين يفخر على الكوفيين بقوله : « نحن نأخذ اللغة عن حرشة ( أكلة ) الضّباب وأكلة اليرابيع ( أي البدو الخلّص ) وأنتم تأخذونها عن أكله الشواريز « 4 » وباعة الكواميخ « 5 » ( أي عرب المدن ) » . ولم تقف المسألة عند حد الاتساع في الرواية ، بل امتدت إلى الاتساع

--> ( 1 ) المزهر 1 / 212 . ( 2 ) معجم الأدباء 13 / 183 . ( 3 ) معجم الأدباء 13 / 182 وإنباه الرواة 2 / 274 . ( 4 ) الشواريز : جمع شيراز ، وهو اللبن الرائب المصفى . ( 5 ) الكواميخ : جمع كامخ وهو مخلل يشهىّ الطعام .